الجصاص

166

الفصول في الأصول

الاجتهاد فيهما ، فمتى أدى الاجتهاد إلى حملهما على الوفاق حملناهما ( 1 ) عليه ، ولم يسقط أحدهما بالآخر ، مع إمكان الاستعمال ، ودلالة الأصول عليه . وأما إذا لم يحتملا الموافقة - فإن الآخر منهما يكون ناسخا الأول ، لأن الحكم الآخر ثابت إذ ليس للأول مزية عليه في ثبوته دونه ، وفي ثبوت الآخر نفى الأول . وأما إذا عمل الناس بالأول إلا الشاذ منهم ، وسوغوا مع ذلك الذين عملوا بالآخر ، ولم يعيبوا ذلك عليهم ، فإنما جاز اجتهاد الرأي فيه ، لأن الجميع قد اتفقوا في هذه على تسويغ الاجتهاد في استعمال أحدهما أيهما كان ، فلذلك كان الأمر على ما قال . وأما إذا عابوا على من ذهب إلى الخبر الآخر ، فإنما وجب استعمال ما عمل عليه الجمهور ، وظهر في أيديهم ، دون ما ذهب إليه الشاذ منهم ، من قبل : أن استعمال الناس الأول يوجب صحته وثباته ، فلو كان الآخر ثابتا يعرفه من يعرف الأول ، ولما أنكره على من عمل بالآخر ، لأن الحكم إذا ثبت واستفاض في الكافة ثم نسخ ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا محالة يظهر نسخه فيمن ظهر فيهم في حكمه بدأ ، فدل إنكارهم على الآخرين ما ذهبوا إليه من حكم الخبر الآخر ، لأن الأول ثابت الحكم ، وأن الثاني ( 2 ) شاذ ، لا يجوز الاعتراض ( 3 ) به على الأول . وأيضا : فإن الجمهور لما علموا بالخبر الأول دون الآخر مع علمهم بأن الآخر قد روى - فهم لا يتركون الحكم بالثاني ، إلا مع علمهم بأن الأول ثابت الحكم ، لولا ذلك لكان الثاني ناسخا له عندهم ، فلما لم يعتبروا الثاني وثبتوا ( 4 ) على الأول ، علمنا : أنهم قد علموا شذوذ الثاني ، وأنه غير جائز الاعتراض ( 5 ) به على الأول دون الثاني . وهذا ضرب من الاجتهاد موجب لتقوية بقاء حكم خبر الأول ، وهو مبنى على ما قدمناه : من أن أخبار الآحاد مقبولة اجتهادا ، على حسب ما ( 6 ) تغلب في الظن من صحتها وسلامتها ، ومن ( 7 ) شهادة الأصول لها ، أو مخالفتها إياها ، فكان ما وصفنا في هذا